|
الكاتب: د. عيسى حداد
|
|
28 / 07 / 10 |
|
ولد في القرن الماضي ، لا يعرف بالتحديد في أي سنة، وكل ما يعرفه أنه ولد بعد عامين من سنة الثلجة الكبيرة ، كان وضعه المادي مستوراً، وهو أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى ، يعمل حداداً في كوره المتواضع، يصنع السكاكين والخناجر والشواكيش ومحاميس القهوة وأدوات الزراعة ، كما أنه يجيد حذو الخيول ، تزوج من فتاة من العائلة نفسها ولكن من قرية مجاورة ، كانت سيدة على درجة عالية من الجمال والأخلاق ، وست بيت من الدرجة الأولى ، رزقا بعشرة أطفال ، مات معظمهم من التشوهات الخلقية ومرض السل ومضاعفات الحصبة، عاش له ولدان هما محمد و صالح .
كان صالح الأكثر وسامة ، بشرته بيضاء عكس بشرة محمد الحنطية ، وخداه متوردان وشعره أشقر، عندما يستحم ويسرح شعره يبدو كأبناء الخواجات، وسامة صالح ميزته لدى والده وكل سكان البلدة ، كان محمد يحسده دائما على ذلك ، لم تكن وسامته هي العامل الوحيد لتميزه ، إنه أذكى من اخيه ويحب الدراسة ، قام والدهما بتسجيلهما بمدرسة البلدة التي تحتوي على غرفة صفية واحدة ، ومعلم واحد هو "المعلم فارس"، القسط السنوي الذي يتقاضاه المعلم هو عبارة عن حذو فرسه بالإضافة إلى منجل في بداية كل سنة ، كثيراً ما كان محمد يتهرب من المدرسة ، مما دفع المعلم فارس إلى إطلاع والده على الموضوع ، أستغل هذه الفرصة وطلب منه أن يساعده في عمله في الكور، فرح كثيراً لهذا القرار ، وأخذ يعمل بجد حتى أتقن المهنة ، وأصبح يعتمد عليه كثيراً في العمل ، كان والده قاسياً جداً عليه ولكن أورثه مهنة من ذهب .
منذ أن وعى على الحياة والاحتلال العثماني يحكم المنطقة ، رضع الجميع في مهد الشقاء ، تربوا في أحضان الذل والهوان يأكلون الخبز اليابس إن وجد، ويشربون الماء الممزوج بالدم والدموع ، لا يرحم أزلام السلطان أحدا ، إنهم لا يكفون عن توجيه الحراب إلى البطون ، يعتبرون كل الشعوب المستعمرة علوجا و نعاجا يساقون إلى مسالخ الجلاد و يتجاهلون أن الإنسان قيمة مقدسة على شكل الرب ، من خوّل هذا الجندي ثقب جمجمة شيخ أو شاب برصاص الحقد دون مبرر؟!!، المونة والدواجن والمواشي حلالهم في أي وقت ، يحاول الناس التغلب على الفقر بالصلاة ، وعلى الإهانة بالصمود، ينتظرون لحظة الحق التي تبدد الغشاء الذي يحجب عنهم ضوء الشمس ونور القمر .
كان محمد يحمل في نهاية كل شهر ما صنع إلى القرى المجاورة ليبيعها ، ويقوم بحذو خيول من يطلب منه ، في الفترة الأخيرة أخذ عساكر العثمانيين الذين يتسكعون بين البلدات والقرى يضايقون الجميع ، حتى أصبحوا قطاع طرق ، يستغلون أسم السلطان ليفوزوا بأكبر قدر من الغنائم ، في جولته الأخيرة قاموا بالقبض عليه ، وهموا بأخذه معهم كي يلتحق بالجيش المحارب للإنجليز، وحتى ينجو بجلده من بين مخالبهم أخذ بالبكاء الشديد ، قالوا له :
- لا داعي للخوف أيها الجبان .... واجبك الوطني يتطلب منك محاربة الإنجليز .
تابع التمثيل ورد عليهم :
- أمنيتي أن أقوم بواجبي اليوم قبل الغد ، ولكنني وحيد أبوي وهما على فراش المرض ، وأخاف عليهما من الموت إذا تركتهما وحيدين .
استطع بذكائه التخلص منهم والعودة إلى بلدته ، ولم يكن ذلك إلا بعد أن أعطاهم كل البضاعة التي يحملها ، من يومها قرر أن لا يعود مرة أخرى إلى تسويق البضاعة إلى القرى المجاورة ، ولكن عليه أن يجد عذراً كافياً لإقناع أبيه ، الذي اشتهر من بين رجال القرية بصعوبة الإقناع في الكثير من المواقف ، فكر ملياً وبعد أن وجد الحل ، أسرع إلى أبيه ، وبعد جهد كبير أقنعه بأن يتحمل صالح جزءاً من المسؤولية ، فهو يتعب كثيراً بالعمل داخل الكور ، وما المانع من أن يقوم صالح بتسويق البضاعة إلى القرى المجاورة ، فهذا العمل لا يتطلب جهداً كبيراً، ولن يعطله عن الدراسة ، فالجولة مرة واحدة في الشهر ، أن توزيع الحمل يريح الجميع وخاصة أنه أصبح في عمر مناسب لذلك .
تم له ما أرد ، وفي الجولة الأولى ذهب صالح ولم يعد، يبدو أن عساكر العثمانيين قبضوا عليه وضموه إلى (سفر برلك) ، ضاقت الدنيا في عيني الوالد ، وأخذت صحته بالتدهور، كم هو تعيس ، فقد شقيقه وها هو والده على وشك أن يفقده من كثرة حزنه على غياب أخيه ، أصابه حزن شديد وحالة من الاكتئاب ، وأخذ يسأل نفسه :
- كيف فعلت هذه الفعلة النكراء؟!! .
حاول التخفيف عن نفسه بالصوم والصلاة ، ولكن صوت الضمير لم يهدأ لحظة واحدة ، لم تمضي مدة طويلة حتى توفي الوالد ، آلت بعدها كل الورثة له ، بما فيها الكور وكل الأطيان ، شعر كلما طرق الحديد بالشاكوش أنه يطرق قلبه ، أصبحت حياته جحيما ، وحتى يتخلص من هذا العذاب ، قرر أن يغادر البلدة بحثاً عن أخيه ، رأسه لا يحتمل ضربتين ، يجب أن يعود بأخيه إلى البلدة ، حتى ولو كان جثة هامدة .
أنه مصمم على البحث عن أخيه ، لا يخاف الموت، عذاب الضمير أعنف من عذاب القبر، ولقاء الأخ وعناقه أعز عليه من عناق عشيقة القلب ، يستطيع كل يوم أن يعوض عشيقة ، ولكن أنـّا له أن يعوض الاخ الوحيد، حياته أصبحت خرابه ، نبت الحنظل بين جدرانها الواهنة، ارتدى بفعلته هذه ثوب الهوان ، وانشقت الأرض من حوله ، تمنى أن تبتلعنه ويرتاح ، و أن يقبل الموت شفتيه ، ويغرس الشيطان الجمر في عينيه ، يود أن يقتلع قلبه الحقير من صدره الضيق ليمزقه بحجر الندامة، علمه الحزن لغة جديدة لا يعرفها غير أخيه وكل المظلومين .
ركع بين قدمي أمه ، وأطلعها بأنه ذاهب للبحث عن أخيه الحبيب، وأقسم لها بأنه لن يعود بدونه ، حاولت الأم منعه من السفر، فهي ما عادت تحتمل كل هذا العذاب، فقدت زوجها وأبنها ، وها هو أبنها الوحيد يذهب إلى المجهول ، من يضمن عودته إليها غانماً سالماً ، ولكنها تعلم علم اليقين أن ابنها ورث عن أبيه شدة العناد وقوة الإرادة والعزيمة ، لا أحد يمنعه عن القيام بهذا الواجب حتى ولو اجتمعت عليه كل قوى العالم ، قبلته قبلة تمنت أن لا تنتهي ، قبـّل رأسها الطاهر ويديها الشرفتين، وتوجه صوب الشام ، سمع من أبه ذات ليلة عن جده، أنهم من أصول سورية ، وأن بلدتهم الأصلية تقع إلى الشمال الغربي لمدينة حلب و تدعى إدلب ، إذا كان صالح على قيد الحياة فلابد أنه لجأ إلى الأهل هناك ، لم يسلك الطرق المعتادة خوفاً من جنود الاحتلال ، فهم يحتلون كل مداخل المدن والقرى ، ودورياتهم تملأ معظم الطرقات، سلـّم أمره لله ، امتطى فرسه وأخذ يعبر الوديان ويتخطى الجبال الوعرة ، زاده أعشاب الأرض يشرب مما جُمع من الأمطار، كان الطقس ربيعاً مما سهل عليه مشقة السفر، إذا لاحظ دورية كان يختبئ في مغارة أو خلف صخرة كبيرة حتى لا ينكشف أمره ويقبض عليه ، انتظر الدورية كي تتعدى ثم تابع سيره ، إذ تمكن من صيد طير أو أرنب قام بشوائه ليسد رمق جوعه ، أنه يجهل المكان ، فهذه أول مرة يسافر فيها خارج البلاد ، كان يسير طوال الوقت في خطوط مستقيمة نحو الشمال حيث يتوقع أن تكون بلدة أهله على نفس الاتجاه ، أو على الأقل إذا وصل إلى حلب تصبح المهمة أكثر سهولة ، ومن يسأل لا يتوه .
بدأ التعب يظهر عليه ، أما حصانه الأصيل ما زال صامداً ، يحضه على المضي قدما ، فهو أيضاً في شديد الشوق لملاقاة أخيه صالح ، مشى والأمل يمشي أمامه، إذا شعرت قدماه بالتعب كلمتهما الحجارة قائلة :
- انظر كم أنا لينة وطرية ... تابع سيرك .
وإذا نظر إلى الجبال الشاهقة كانت تواسيه :
- تأمل كم هي سفوحي مستوية .... أحمل آلامك وأمشي ... الفرح من أمامك .
وبعد رحلة شاقة ، لاح له معالم مدينة ، أسرع باتجاهها ، وعندما سأل قالوا له أنها حلب ، حمدت الله على سلامة الوصول ، أرشده أهل المدينة إلى الطريق التي تؤدي إلى إدلب ، وصل عند الفجر وقبل بزوغ الشمس ، كانت طيور البراري تنشد لحناً حزيناً يشبه الحزن الذي يسكنه ، وعلى مدخل البلدة صهل حصانه بصوت قوي معلناً نهاية الرحلة المجهولة، وإذ بشاب يجلس القرفصاء على صخرة كبيرة ينظر باتجاه الجنوب ، ما أجمل النظرة في عينية ، وما أعماق الحزن على وجهه ، سأله :
- هل هذه هي إدلب ؟!! .
أخبره الشاب بأنه وصل إلى غايته .
حمدت الله أنه وصل إلى البلدة المنشودة ، سأله الشاب :
- أنت لست من المنطقة أليس كذلك ؟!! .
- وكيف عرفت ذلك يا صديقي ؟!! .
رد عليه بدهشة واستغراب .
أجاب على الفور :
- من لهجتك أيها الضيف .
حدث ذلك الشاب عن قصته ، استغرب كثيراً وتمنى أن يوفقه الله في مسعاه ، وأن يلم شمل الأخوة في أقرب فرصة ، نصحه أن يدخل البلدة ليقابل المختار ، فهو الوحيد الذي يملك المعلومات الكافية عن أخيه إذا كان موجوداً هنا .
وقبل أن يودعه أحب أن يستفسر عن اسمه ، رد علي :
- في الحقيقة لا أعرف أسمي، ولا من أين أنا ، تعرضت خلال الحرب لإصابة بالغة في رأسي، أدت إلى فقدان ذاكرتي ، وتشوه وجهي كما ترى نتيجة انفجار لغم.
صرح له انه لا يفارق البلدة ، يمضي جل وقته رابضا على تخومها ، يحاول أن يخترق الوعي الذي فقده ، انه يلبس ثوبا ليس بثوبه ، ويحمل دماغا ليس بدماغه ، يقف عاجزا أمام صنمية الحقيقة ، أصبح الإحساس بالضيق و المعاناة من القهر القاسم المشترك الأعظم في حياته ، هل يرسل الله إليه فيثاغورس ليحل له هذه المعادلة الصعبة ويصرخ بأعلى صوته :
- وجدتها ... وجدتها ....
دق قلبه بشدة واندفع الدم إلى وجهه حتى شعر النار تخرج منه ، أسرع لاحتضنه وضمه الى صدره ، فهو يعرف صدر أخيه جيدا ، ومدى الحنان الذي بداخله ، ربما يكون هذا الشاب هو شقيقه صالح ؟؟! .
الزرقاء نيوز |