|
هبّت عاصفة رملية شديدة اقتلعت ثماني خيم وحوّلت مياه الأمطار الغزيرة الأرض الى تربة طينية غمرت ديكورات استوديو قرية مجهزة في منطقة سيل الزرقاء الأردنية، فيما استدعى البحث عن حلول بديلة ازاء افتقاد “كرين” سينمائي خاص استخدام الحبل لربط الكاميرا الكبيرة على آخر صغير معد لانجاز المسلسلات أساساً .تلك الأجواء بعض ما رصدناه خلال جولتنا بين مواقع تصوير أول فيلم أردني “تاريخي بدوي” روائي طويل عنوانه “الشراكسة”، يخرجه وينتجه محيي الدين قندور بعد استناده إلى رواية حقيقية في كتابته لأولى تجاربه العربية عقب قيادته أعمالاً فنية غربية ويتقاسم بطولته محمد العبادي ومحمد الضمور وجميل براهمة ورفعت النجار وعلي عبدالعزيز وابراهيم ابو الخير ومارغو أصلان وأشرف أباظة وغيرهم . . الى جانب محيي الدين كيروماكوف وأزمات باكوف ورسلان فيروف ومجموعة ممثلين من روسيا .
يوضح قندور أن الفيلم يحكي على مدى ساعة وأربعين دقيقة قصصاً انسانية ترتبط بمراحل هجرة قبائل شركسية من القفقاس الى شرق الأردن اواخر القرن قبل الماضي، واستقرارها في منطقة رأس العين وسط عمّان، وتعايشها وتقاسمها مصادرالمياه مع أهل البادية بعد تجاوز اختلافات حضارية تستند الى معايير اجتماعية وثقافية واقتصادية وانتهاج مبادىء الاسلام في تسوية الأمور .
ويقول: العمل شعاره “الحب يذلل الصعوبات” في جميع نواحي الحياة، حيث ترتكز أحداثه في محورها الرئيسي على استقبال كبير الشركس “تيمور” مجموعة جديدة من أبناء وطنه بالتنسيق مع وجيه عشيرة البادية “مريود” أثناء النفوذ العثماني، وتظهر معضلة أساسية حين ترتبط ابنة الأخير “هند” عاطفيا مع الشاب الوافد “نارت” وسط تباين بينهما في العادات والتقاليد وحتى اللغة، ورفض محيطين في مقدمتهم شقيقها قبل تجاوز العثرات تدريجيا .
ويشير قندور الذي بدا صبورا في إعادة المشاهد بسبب عدم تكيّف بعض الممثلين مع المعايير السينمائية المطلوبة، إلى غوص الخطوط الدرامية للعمل في يوميات الحياة والخصائص الشركسية بدءا من الثياب الشعبية والأدوات التراثية والاحتفالات الفولكلورية في مقابل سواها ضمن البيئة البدوية موضحا تسليط الضوء على مدخل المعاملات التجارية بين الطرفين من خلال مقايضة المحاصيل الزراعية باحتياجات السكر والملح والقماش وغيرها .
ويؤكد قندور المنحدر من أصول شركسية اهتمامه شخصياً بتلك المرحلة انطلاقا من نشأته وزحف عائلته الى المكان الذي استوعب المقبلين وأصبحوا جزءا لاينفصل من نسيجه، محدداً دافعه في لمسه افتقاد طرح حكايات حقيقية قديمة دراميا تصلح لتناولها في سياق فني موضوعي مؤثر، ويلفت الى بناء قرية شركسية متكاملة تشبه استوديو داخلياً في منطقة سيل الزرقاء وثانية قرب سد الملك طلال وانتقال مواقع التنفيذ بين جرش ووادي سحاب وضبعا والخان وخربة ابوجابر والغباوي ومساحات صحراوية وبرية مناسبة، محدداً الانتهاء من المراحل الميدانية خلال نحو شهر ونصف الشهر وفق تكلفة انتاجية تفوق مليوناً ومائتي ألف دولار .
ويوضح قندور اعتماده في اختيار الممثلين الأردنيين بعد غيابه طويلا عن الساحة المحلية على ترشيحات متخصصين، لحقها اجراء اختبارات وتطلعه الى مشاركين قادرين على تطويع ملكاتهم رهن توجيهاته في أولى تجاربهم السينمائية . وألمح الى مواجهته صعوبة في بيان وجوب اختزال بعض أساليب الأداء والمبالغة المعتمدة في المسلسلات والمسارح واعادة تصوير مشاهد كثيرة قبل حصوله على مقصده .
وحول آلية تعامله مع ظروف طبيعية وتجهيزية، يشير قندور الى حصده تعاونا كبيرا من الفنانين عموما وجهة تنفيذ العمل التي سارعت الى توفير متطلبات حياكة الخيم فورا بعد تعرضها لأضرار ناجمة عن عاصفة شديدة، واحضار دفعات رملية لطمر الطين عقب هطول الأمطار بغزارة واجتياحها منافذ وأركاناً لاتخفيها الاضاءة الليلية، ومحاولة توفير المعدات قدر المستطاع مع اللجوء الى حلول بديلة أحيانا بينها ربط الكاميرا على “كرين” تلفزيوني، مستدركاً بأنه أحضر متطلبات صوتية وبصرية من ألمانيا واعتمد على مجموعة أجنبية وأردنية من الفنيين ووجد دعما تنظيميا من الهيئة الملكية للأفلام .
الفنان جميل عواد الذي تولى هندسة الديكور في العمل يحدد البحث عن أدوات ومقتنيات تراثية استخدمت سابقا ولاتزال لتوفير المصداقية، منها الأكواب الخشبية والمشرب الشبيه بقرن الفيل وعربة الحصاد وغيرها لافتا الى استقطابها من محلات “الانتيكات” و بيوت بعض المشاركين وعموم الشركس من أهل المنطقة الذين تطوعوا في أداء مشاهد تمثيلية جماعية الى جانب الجمعيات المختصة، كما أشار عواد الى انتهاجه “الجدار المتحرك” في تهيئة ميادين تصوير داخل المواقع المركبة .
وبعد انجازه مشهد اسقبال الوفود الجديدة عند خط السكك الحديدية، تحدث الممثل الروسي محيي الدين كيروماكوف بوجود أحد المترجمين قائلا: أجسّد شخصية “تيمور” كبير قوم الشركس والذي يحاول تحقيق تسويات ايجابية مع أهل المنطقة ويشدد على أبناء وطنه بضرورة احترام جميع الضوابط والالتزامات الأخلاقية والتربوية في مقر إقامتهم الجديد، وهناك قصص انسانية كثيرة وراء كل أسرة آتية من بلدها بحثا عن الاستقرار . ويضيف: انعكست الأجواء الدرامية على “الكواليس” فنحن نحاول التحدث مع الزملاء الأردنيين بلهجة عربية متواضعة ونسعى لايصال أفكارنا بواسطة الاشارة أحيانا والابتسامة أحياناً، وهذا ما يحدث في الفيلم واقعيا الذي سيصاحبه ترجمة باللغتين العربية والشركسية خلال العرض لضمان وصوله الى الجمهور قبل اطلاق نسخ أجنبية لاحقا .
وتبدي سحر بشارة سعادة غامرة في خوضها أول تجربة سينمائية وتعقب: رشحتني جهة تنفيذ العمل ضمن مجموعة من الزميلات، وبعد إجراء اختبارات للشكل البدوي والأداء، اختارني المخرج والتحقت مع آخرين ضمن ورشة صغيرة حول التفاعل الفني وتقمص شخصية “هند” التي تتميز بثقتها بنفسها وقوتها وحنكتها وفرض وجودها لاسيما أنها البنت الوحيدة لأبيها وجيه العشيرة، قبل ان ترتبط بعلاقة عاطفية مع الشاب الشركسي “نارت” وتقاوم من أجل الارتباط به وعدم الالتفات الى فرض زواجها من ابن عمها الذي لاتحبه .
وترى بشارة أن قيادتها دور البطولة سلاح ذو حدين بين تحقيق انطلاقة كبيرة بعدما شاركت في مسلسلات درامية أو التأثير في مشوارها سلبا وتعلق: التجربة تضعني على محك جديد في تعاملي مع محطاتي المقبلة وأنا بقدر سعادتي أشعر ببعض الخوف ولكنني أحصد تشجيعا كبيرا من الجميع .
ويلفت “أزمات باكوف” الى أدائه شخصية “نارت” الذي يواجه انتقادات كبيرة بسبب محاولته الزواج من “هند” ويقول: أعتقد أن الفيلم يحمل طابعا رومانسيا أعمق من طرحه التاريخي الصرف ومن خلال العلاقة العاطفية نستطيع اظهار كيفية التواصل بين الحضارتين من دون سرد وثائقي رتيب . وحول أصعب المشاهد يعقب بقوله: مشهدان يعدان مفترق طريق للشاب الذي أجسده، الأول حين يراجع حساباته ويتذكر المآسي التي تعرض لها والظروف الصعبة التي دعته للهجرة ويجد الباب موصودا أمام استمراره في علاقته مع “هند”، والثاني عندما يقرر اتباع أسلوب الزواج الشركسي بأخذ الشابة “خطيفة” من دون علم شقيقها قبل أن تهدأ الأمور ويصل الجميع الى حالة من التفاهم والود .
وبينما يشير محمد العبادي الى أدائه دور وجيه العشيرة “مريود” الذي يحاول الموازنة بين عطفه على ابنته وعدم المساس بأصول اجتماعية، تلفت رفعت النجار الى انحيازها وفق شخصية والدة “هند” جهة تحميلها المسؤولية وعدم خروجها عن طوع العائلة، فيما يتقمص أشرف أباظة “قائم مقام” النفوذ العثماني ويتولى وليد الهشيم الموسيقا التصويرية .
من جهته يؤكد المنتج المنفذ عصام حجاوي شمول حالة الانسجام والحماسة من جميع المشاركين في محاولة لحصد نجاح أول تجربة فنية أردنية من نوعها وراهن حجاوي على الرؤية البصرية والمكانية وتشويق الأحداث ضمن الفيلم الذي توقع عرضه في دور السينما خلال شهر مارس/آذار المقبل ومشاركته في مهرجانات عربية وعالمية في مقدمتها الامارات.عن الخليج - ماهر عريف
الزرقاء نيوز |