|
عندما ظهرت ملامح القلق على رئيس الوزراء الاردني سمير الرفاعي بمجرد صدور الاوامر له بالاستعداد لتشكيل الحكومة تحت عنوان “حداثة سنه” عالجه صاحب القرار باشارة مشجعة يفهم منها ان عنصر الشباب يمثل ثلثي الشعب الاردني وأمر الرجل بالتوكل على الله والمضي قدما.
اليوم وقبل انقضاء مئة يوم على عمر الوزارة الشابة اصبح واضحا للمراقبين الخبراء ان سقوط التجربة او قصر عمر حكومة الرفاعي لا يعني الا نتيجة واضحة سيعاني منها الجميع اطارها استنفاد الخيارات.حتى رموز التيار الليبرالي الذي لايمكن تصنيف الرفاعي ضمن عائلتهم الصغيرة اصلا قدروا من البداية ان مصلحة الجميع تتطلب نجاح مشروع الحكومة الجديدة ورئيسها لان البديل سيكون كارثيا بعد استنفاد الخيارات الشابة والعصرية.
الحديث هنا عن عودة اضطرارية للحرس القديم و”للابوات” ولمدارس الحكم الكلاسيكية ولعواجيز الدولة والمؤسسة اذا انتهت تجربة الرفاعي قبل ان تنضج ويتقوى عودها.
لذلك كانت المهمة الاولى التي انشغل بها الرئيس الشاب بداية تتمثل في مسارين: الاول، وهو الاهم استعادة الولاية العامة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى والسيطرة على كل مفاصل العمل الاداري في الجهاز الحكومي، والثاني تقييد الوزراء بحزمة من مدونات السلوك التي تمنع المفاجآت وتقلص من هوامش الاجتهاد الشخصي وتعالج بعض امراض المنصب الوزاري المعروفة.
الآن يثبت قطعيا بأن نظام اولويات من هذا النوع يهمش بعض مراكز القوى وينتج معادلات جديدة للحكم والادارة ويوسع دائرة الضحايا الانتهازيين الذين ستخرجهم هذه المعادلات من الصورة ويتجاهل الصالونات والباشوات ويؤسس طبقة جديدة من مسؤولي الادارة العليا بمعايير مختلفة هذه المرة، ويضيق في نفس الوقت هوامش المناورة امام شركاء في الوزارة يواجهون مأزقا اخلاقيا بعد انحشارهم ما بين مواقفهم المعتادة او التي يستخدمونها في الحضور والنفوذ وبين المطلوب منهم في وزارة من هذا النوع.
لذلك تتفجر الازمات تباعا في حضن الوزارة الوليدة وبشكل دفع حتى رئيسها للتساؤل عن سر اعفاء حكومته اعلاميا من مهلة المئة يوم المعتادة قبل الهجوم على اي حكومة، مشيرا الى ان الصحافة نهشته وهاجمته قبل منحه هذه الفسحة.
ولذلك يتشكل حتى داخل الدائرة الاقرب للرئيس انطباع بأن بعض شركاء التجربة يتنصلون من توجهات المرحلة وقراراتها وبعضهم الآخر يمارسون التحريض عن بعد، فطاولة اجتماعات الوزراء كما يقول احدهم لـ”القدس العربي” يجلس عليها بعض من يستكثرون النجاح على الرفاعي او يتصورون انهم “تورطوا” ويبحثون عن مخرج امن بدون كلفة مع المؤسسة والنظام.
يضاف الى ذلك ان اختيارات الرفاعي على واجهة المطبخ الاعلامي لم تكن منتجة عمليا فمقالات الكتاب خالية تماما من اي تاييد او منتج لصالح الحكومة بالرغم من وجود كاتبين مهمين في المطبخ هما سميح المعايطة وعبد الله ابو رمان، وجلوس الوزير السابق صالح القلاب على المقعد التنفيذي الاول في الاعلام الرسمي اثار من الجدل اكثر ما اثار من الارتياح ووزير الاتصال نبيل الشر يف يحظى بالمراقبة من الخصوم ولا ينجح في صناعة اصدقاء.
نتائج هذا الوضع في مطبخ الرفاعي الحكومي ملموسة وتدفع الرئيس للتساؤل عن سرعة التصدي الاعلامي لحكومته في الوقت الذي تدافع فيه الاقلام عن الوزراء بالقطعة، وحسب الاعتبارات الشحصية ففي الاعلام الوطني لا احد ينتقد وزير الداخلية نايف القاضي ورئيس الفريق الاقتصادي الدكتور رجائي المعشر طلب من انصاره واصدقائه الصحافيين تجنب مجاملة الحكومة بسببه محذرا في موقف يحسب له بكل تاكيد من انخفاض السقف,والتحرش بوزير التنمية السياسية موسى المعايطة يعني مواجهة حلفائه الحزبيين في الصحافة وهم كثر لانهم سرعان ما يتدخلون لصالحه.
واليوم يثبت بان استعادة الولاية العامة معركة حقيقية ومكلفة لاي رئيس وزراء بسبب وجود فروقات في تحديد وترسيم الجهة التي تستعاد منها هذه الولاية، فطاقم القصر الملكي حاليا داعم بقوة للحكومة ولا ينافسها والمؤسسة الأمنية تخلو حاليا من افراد لديهم طموحات شخصية ومهتمة بالاستقرار فقط.
ومقابل ذلك ثمة شعور سياسي بان عودة الولاية العامة لحكومة يراسها الرفاعي الشاب قد تكون مقدمة لاستحقاق اقليمي ـ سياسي عابر للملفات الداخلية، الامر الذي يتطلب مواجهة وقائية من قبل نخب وقوى وشخصيات تحترف الاعاقة او تمتهن التخويف من اعتبارات الاقليم التي ستواجهها حكومة ما في وقت ما.
وبسبب طبيعة الهجمات المنسقة على الحكومة قبل ان يتضح خيرها من شرها ارهقت التجربة مبكرا بمعارك تنطوي على تهويلات على حد تعبير الوزير الشريف، فاخطاء الفنيين في وزارة التربية والتعليم، فيما يتعلق بكشوفات علامات الثانوية العامة اصبحت عنوانا بارزا ليس فقط للمطالبة باقالة الوزير المختص ابراهيم بدران ولكن للمطالبة برحيل الحكومة برمتها وللهجوم على الرفاعي الذي قرر ان لا يكون اول رئيس ينتج سابقة اقالة وزير تحت ضغط مجموعة من الصحافيين.
وفي اطار التهويل نفسه يصبح عامل نشط يتزعم منذ سنوات فئة عمال المياومة هو محمد السنيد ويحظى بتعاطف الصحافة ندا صلبا ليس فقط لخصمه وزير الزراعة سعيد المصري، ولكن للحكومة ولرئيسها مندفعا لتعداد الفروقات في مؤتمر صحافي بين الرفاعي وسلفه معروف البخيت ومستعدا لتحريض المؤسسة الامنية على الوزراء.
هذا النمط من التهويل دفع وزير الاتصال نبيل الشريف لطرح سؤال استنكاري لاقى بعده هجوما شرسا هو “لماذا الآن؟” … سؤال الشريف باختصار يعبر على نحو او آخر عما يجول في ذهن الرئاسة وهي تتساءل عن تتابع عمليات القصف المبكر على الحكومة حتى قبل ان تتخذ اي قرار غير شعبي متوقع
الزرقاء نيوز |